أحمد بن محمود السيواسي
22
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 55 ] وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 55 ) ( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي عالم بحالهم ، لأنه خلقهم مختلفين في صورهم وأخلاقهم ومللهم فيعلم من هو أهل للرسالة والإيمان ، ويعلم من لا يصلح لذلك ، وهو رد على أهل مكة في إنكارهم واستبعادهم أن يكون يتيم من قريش نبيا وبلال وصهيب وخباب وغيرهم من الفقراء رضي اللّه عنهم مؤمنين ( وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ ) ففضل إبراهيم عليه السّلام بالخلة وموسى عليه السّلام بالكلام وإدريس عليه السّلام برفعه حيا إلى الجنة ومحمدا عليه السّلام بجسمه بالمعراج ( وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ) [ 55 ] بفتح الزاء وضمها « 1 » ، اسم كتاب علمه اللّه داود ، يستعمل باللام وغيره كالفضل اسم رجل ، وهو مشتمل على مائة وخمسين سورة ، كلها دعاء وتحميد وتمجيد وثناء على اللّه تعالى ليس فيها حلال وحرام ولا فرائض وحدود ، المعنى : أنكم لن تنكروا تفضيل النبيين ولا تنكروا « 2 » زبور داود الذي فيه ذكر أن محمدا خاتم الأنبياء ، وأن أمته خير « 3 » الأمم ، فكيف تنكرون فضل محمد عليه السّلام وإعطاءه القرآن ، وهذا خطاب لمن يقر بتفضيل « 4 » الأنبياء عليهم السّلام من أهل الكتاب وغيرهم . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 56 ] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً ( 56 ) ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ) نزل حين أصاب المشركين قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف ، واستغاثوا بالنبي عليه السّلام ليدعو لهم بالكشف « 5 » ، فقال تعالى للمشركين ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون اللّه وتعبدونهم مع عجزهم ( فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ ) أي لا يقدرون صرف السوء ( عَنْكُمْ ) من البلايا والأمراض إذا نزل بكم ( وَلا تَحْوِيلًا ) [ 56 ] أي ولا تبديل الحال من العسر إلى اليسر . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 57 ] أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( 57 ) ( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ) بالياء والتاء « 6 » ، مبتدأ بصفته ، أي هؤلاء الذين تعبدونهم وتزعمون أنهم آلهة كالملائكة وعيسى وعزير والشمس والقمر والنجوم ، والخبر ( يَبْتَغُونَ ) أي يطلبون ( إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) إلى القرية بالتضرع إليه في طلبها ، وقيل : هي الدرجة العليا « 7 » ، وقيل : كل ما يتقرب بسببه إلى اللّه عز وجل « 8 » ، وهو الأعمال الصالحة مع الإيمان ، و « أي » في ( أَيُّهُمْ ) بدل من واو « يَبْتَغُونَ » ، وهو اسم موصول ، والجملة بعده صلته ، أي يبتغي من هو أقرب ، فكيف بالأبعد أو الوسيلة المقربون عند اللّه ، ف « أي » اسم استفهام ، مبتدأ ، خبره ( أَقْرَبُ ) والجملة نصب ب « يَبْتَغُونَ » بتضمين « 9 » الصلة ، فمعناه ينظرون أو يخرصون أيهم من هؤلاء المقربين أقرب إلى اللّه بالكرامة فيتوسلون به ( وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ) أي جنته ( وَيَخافُونَ عَذابَهُ ) أي ناره كما يخاف ويرجو غيرهم من العباد فكيف يزعمون أنهم آلهة ( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ) [ 57 ] أي يطلب منه الحذر ، وقيل : سبب نزول الآية أن نفرا من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن ، فأسلم الجنيون على يد النبي عليه السّلام ، ولم يعلم الإنس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم اللّه بتنزيل هذه الآية « 10 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 58 ] وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 58 )
--> ( 1 ) « زبورا » : ضم الزاي حمزة وخلف وفتحها الباقون . البدور الزاهرة ، 186 . ( 2 ) ولا تنكروا ، س م : ولا تنكرون ، ب . ( 3 ) خير ، ب م : خاتم ، س . ( 4 ) بتفضيل ، س : تفضيل ، م ، تفضل ، ب . ( 5 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 3 / 503 . ( 6 ) أخذ المؤلف هذه القراءة عن السمرقندي ، 2 / 273 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 503 - 504 . وهذه القراءة - على ما روي - لابن مسعود . ( 7 ) اختصره من البغوي ، 3 / 503 . ( 8 ) نقله عن البغوي ، 3 / 503 . ( 9 ) بتضمين ، م : بتضمير ، ب س ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 183 . ( 10 ) عن عبد اللّه بن مسعود ، انظر البغوي ، 3 / 503 .